لقد انشغل سمير أمين، منذ بداية نشاطه الأكاديمي، بإشكالية التقدم والتنمية في بلدان العالم الثالث، في علاقاتها ببلدان المركز الرأسمالي. فقد طرح في رسالته للدكتوراة المعنونة ب "المفاعيل البنيوية للانخراط الدولي لاقتصادات ما قبل الرأسمالية - دراسة نظرية حول الأوالية التي ولدت الاقتصادات المسماة بالمتخلفة"، باريس 1957. هو ما يعد تلمسا أوليا لأزمة النمو لدى بلدان العالم الثالث. حيث قدم معالجة للعناصر الحاكمة لطبيعة علاقة المركز الرأسمالي العالمي بالأطراف التي تمثلها بلدان العالم الثالث، من الناحية الاقتصادية.
ومن الطبيعي أن يكون نزوعه، ذاك، مرتبطا بانشغاله بقضية وطنه مصر، ومثيلاته من بلدان العالم الثالث المتحررة حديثا من استعمار ممتد. ولذلك كان عنوان السعي الأبرز لهذه البلدان هو البحث عن طريق للنهوض والتقدم، في ظل تهديدات وضغوطات لا تنتهي من قبل معسكر القوى الامبريالية الذي يهيمن على الاقتصاد العالمي.
لقد انطلق سمير أمين، في ذلك المسعى، من قاعدة أساسية تتمثل في أن التحدي الحقيقي أمام البلدان المتحررة إنما يكمن في مدى قدرتها على مواجهة الطبيعة العدوانية للقوى الامبريالية، التي تناوئ بكل قوة أية محاولة لإحداث تقدم أو اختراق حقيقي للأزمات الاقتصادية، في تلك البلدان.
ويمكن فهم ذلك من حيث أن هذه (المناوأة) من قبل القوى الامبريالية، هي ما يحقق ما يعرف باسم "الاستقطاب الرأسمالي"، لأن الممارسة الاقتصادية للرأسمالية لا تقوم إلا على الاحتكار والمنافسة غير المتكافئة وتحطيم الخصوم.. الخ. وهذا الاستقطاب هو الذي يكاد يصنع جدارا حديديا ضد أي محاولة للانفلات من قبضة التبعية وتحقيق الاستقلال الوطني (السياسي والاقتصادي) الحقيقي، بالنسبة لبلدان العالم الثالث. فهو يمنع من اتاحة أي فرصة للتنمية المستقلة، والمستدامة، والمتكاملة. فتاريخ التوسع الرأسمالي، انما يمثله تاريخ هذا الاستقطاب بحد ذاته.
ومن هنا تتضح القضية الرئيسية التي ظلت تقود عمل سمير أمين البحثي، وبقي يعمل في اطارها، حتى نهاية عمره. وتتمثل تلك القضية في محاولة ايجاد طريق للنفاذ من هذا الجدار الحديدي للهيمنة الرأسمالية العالمية.
ومن هنا كان لزاما عليه طرح الأسئلة التالية:
- لماذا تنزع الامبريالية على الدوام إلى محاولة توسيع هوة هذا الاستقطاب على حساب دول الأطراف؟؟
- هل يمكن إزالة هذا الاستقطاب، ولو بصورة تدريجية، من خلال الاندماج في النظام الاقتصادي الرأسمالي؟؟
- هل يوجد طريق آخر للنمو بعيدا عن النموذج الرأسمالي؟؟
وما من شك في أن أية اجابة على هذه الأسئلة لابد أن تنبني، أولا، على دراسة معمقة لطبيعة الرأسمالية، ذاتها. خاصة، في طورها الإمبريالي النيو ليبرالي. وكذلك، لا بد من دراسة طبيعة "البرجوازيات الوطنية" التي تولت السلطة في دول العالم الثالث، بعد (التحرر) من الاستعمار. خاصة، أن اقتصاد تلك البلدان قابع في أطراف النظام الرأسمالي العالمي. وكذلك اكتشاف مدى قدرتها، من حيث المبدأ، على إنجاز التطور الذي يمكن أن يؤهلها للاندماج الندي الكامل فيه.
وهنا يبرز سؤال آخر:
- وإذا أبدت، جدلا، هذه الاقتصادات الناشئة القدرة على التطور في إطار النظام الرأسمالي العالمي، فهل ستسمح دول المركز الرأسمالي الإمبريالي لها بمواصلة هذا التطور؟؟ فضلا عن أن تساعد في إحرازه، للتقليل من حدة هذا الاستقطاب؟؟
وعلى الرغم من التعدد المحتمل للإجابات على هذه الأسئلة، تبعا لتعدد المواقع السياسية والمصالح الطبقية والتوجهات الأيديولوجية، فإنه من المقطوع به، أن التوسع الرأسمالي ذا النزوع الإمبريالي، لا يمكن، بأي حال، أن نتصور سماحه (ناهيك عن إسهامه) في تطور بلدان الأطراف. لأن هذا يتنافى، ببساطة، مع الطبيعة الجوهرية لنظامه الاقتصادي والتي تتحدد، تبعا لها، مصالحه. فهذه المصالح لا تتحقق إلا عن طريق التوسع والهيمنة والاستقطاب. وهو، بهذه المناسبة، لا يستطيع أن يفعل غير ذلك، وإلا فإنه سيكون خائنا لقانون حركته، ولمصالحه، بل لبقائه ذاته، بوصفه "نظاما رأسماليا".
وهنا يتعين علينا الدخول إلى دراسة الطبيعة البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي، في طوره الإمبريالي (النيو ليبرالي) المعاصر. من أجل الكشف عن حقيقة هذا "الاستقطاب" وجوانبه وآلياته المختلفة، وفي وضعيته الشاملة، على أسس علمية. وهذا الكشف لا يمكنه أن يتحقق بدون الخروج من التحليل الاقتصادي البرجوازي التقليدي، الذي سيكون آخر همه بالتأكيد هو البحث عن مخارج لاقتصادات العالم الثالث، التي تعتبر سوقه الرئيسي ومصدر مواده الخام.
ولذلك، لا بد من الانتقال إلى نوع من التحليل يندرج في إطار الفلسفة المادية الجدلية باعتبارها مدخلا فلسفيا شاملا، أكثر منه درسا اقتصاديا مدرسيا. ولعل هذا ما فعله كارل ماركس على التحديد، في إنجاز كتابه "رأس المال".
لقد كانت الإجابات المفترضة على أسئلة سمير أمين الباكرة، سالفة الذكر، ضبابية تماما. فالاستقطاب خصيصة من خصائص الرأسمالية، بمعنى أنه يمثل جوهر طبيعتها وقانون حركتها، وليس مجرد ناتج عن شروط أو ظروف أو إرادة سياسية محددة. بحيث يمكن أن تتغير (طبيعة الرأسمالية) بتغير هذه الشروط أو الظروف أو الإرادة. بل إن الاستقطاب نتاج لما يسميه سمير أمين بقانون "التراكم على الصعيد العالمي". وهو ما يعنى أن هذا "التراكم"، الذي يفضي إلى "إعادة الإنتاج الموسع"، إنما هو قانون داخلي جوهري من قوانين الإنتاج الرأسمالي. وأن معالجة هذه الفكرة تقتضي، بالضرورة، دراسة العلاقات الاقتصادية، بمشتملاتها: المالية، والتجارية، والإنتاجية، وغيرها، بين مختلف أطراف الاقتصاد العالمي. سواء، في البلدان المتخلفة، أو النامية (المتطورة)، أو تلك التي كانت تسمى نفسها بالاشتراكية، من ناحية، والبلدان الرأسمالية الكبرى، من ناحية أخرى. كما أنه لابد من الوضع في الاعتبار أن تعقد هذه العلاقات قد يحول دون إجراء دراسة حقيقية ومعمقة لكل من هذه الاقتصادات، كل على حدة. ولكن لا بد من دراستها مجتمعة وفي إطار كلي شامل. فقضية "التراكم على الصعيد العالمي"، بحكم التسمية ذاتها، إنما تقتضي تحليل مجمل هذه العلاقات. سواء من حيث طبائعها وخصائصها الأساسية، أو في إطار ارتباط المكونات والبنى المحلية، لكل منها، بعلاقات مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي. كما أن النظرية الاقتصادية الغربية (البرجوازية) المسماة ب "النظرية الحدية" لا تقدم شيئا في هذا الصدد.
ومن الجدير بالإشارة، أن العلاقات الاقتصادية القائمة بين بلدان (المركز) الرأسمالي الإمبريالي (يسميها "بلدان العالم النامي" أي المتطور، أنظر كتاب: التراكم.. ص24) وتشكيلات العالم المتخلف (الأطراف) تؤدى إلى تدفق تحويلات مادية ضخمة تغذي اقتصادات المركز، وهي التي تؤدى إلى إحداث التراكم على الصعيد العالمي. ففي كل مرة يدخل نمط الإنتاج الرأسمالي في علاقة مع أنماط إنتاج تنتمي إلى مراحل "ما قبل الرأسمالية"، فإنه من الطبيعي أن يخضعها لسيطرته، ومن ثم تظهر تحولات مادية وبنيوية في اقتصاد بلدان الأطراف تجعله يتوجه بكامله نحو خدمة مصالح وقيم وأبنية المركز.
وهذه التحولات تمثل نوعا من "التراكم الأولى لرأس المال"، بمفهوم كارل ماركس. ومن هنا، فإن هذا "التراكم الأولى لرأس المال" لا يظهر، فقط، في المرحلة السابقة أو المراحل الأولى لنشوء الرأسمالية، بل يتعاصر مع مراحلها المتقدمة، أيضا.
وهذه الأشكال والصيغ التي يتم من خلالها التراكم، هي التي تشكل حقل نظرية "التراكم على الصعيد العالمي". إنه التراكم القائم على النهب المتواصل، وانتقال "فائض القيمة" الاقتصادي، لصالح قوى المركز، وعلى حساب قوى الأطراف.
وعلى هذا، فإن الارتباط مع هذا المركز الرأسمالي يعني حتمية التبعية، والبقاء في منطقة الأطراف الخادمة للمركز. وهنا لا بد أن يتوجه البحث نحو كيفية الفكاك من البقاء في أسر دائرة التبعية الحتمية، تلك. حيث تطرأ جملة من القضايا السياسية التي تبحث عن درس معمق لها:
الأولى: بالنظر إلى الضعف الهيكلي لإمكانات البرجوازية المحلية، في البلدان المتحررة، وعدم كفاءتها وقدرتها (فضلا عن عدم السماح لها) على التطور، على النحو الذي تستطيع معه الاندماج النِّدّى، غير التابع، في الاقتصاد العالمي، فهل يعد التوجه نحو الاشتراكية، ضرورة وجودية وحتمية تاريخية، لتلافي هذه النزعة العدوانية "الاستقطابية" للإمبريالية؟؟ وبحيث يصبح الخيار الاشتراكي بالنسبة لهذه البلدان بمثابة فرصة لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه في إطار الرأسمالية، وإزالة الآثار التاريخية للاستقطاب، عن طريق إتاحة الفرصة لتحقيق نمو متسارع للقوى المنتجة.
ويمكن ربط هذه القضية بقضية أخرى، وهي: هل الهدف، الذي يتعين على بلدان الأطراف تحقيقه، هو "اللحاق" بالتطور الرأسمالي، عن طريق إقامة نموذج مشابه؟؟ أم بناء نموذج اجتماعي واقتصادي آخر مختلف ومستقل عن هذا النموذج الرأسمالي؟؟
وقد جاء هذا التساؤل الأخير في معرض نقده لتجارب الدول التي "تطلق على نفسها اسم الاشتراكية"، حسب تعبيره. وهو بالطبع، لم يكن يراها كذلك. (انظر: التراكم ص 21)
الثانية: وتتمثل في محاولة معرفة الأسباب التي أدت إلى أن تكون استجابة النظم السياسية المعنية بقضية التخلف قد جاءت على نحو جزئي ومخيب للآمال. خاصة، أن وضعية "الاستقطاب"، الملازمة للممارسة الرأسمالية العالمية، تخلق أوضاعا اجتماعية واقتصادية تعيسة للغاية، وغير قابلة للاحتمال، في بلدان الأطراف. وهو ما يستوجب تحليل طبيعة الطبقات والنخب التي قامت بقيادة حركات التحرر في تلك البلدان.
وعلى هذا فإن الخلاصة الوحيدة التي يمكن الخروج بها من هذا التحليل، تتمثل في أنه لا يمكن تحقيق التطور والنمو داخل إطار النظام الرأسمالي، ذاته، الذي تم تصميمه للهيمنة على البلدان المتخلفة. لأن هذه البلدان، ستصبح الضحية المستباحة، لأنها تمثل الحلقة الأضعف بين الأطراف المكونة لهذا النظام. وتصبح عملية الخروج عن إطار هذا النظام بمثابة الاستكمال الحقيقي لعملية التحرر، التي تحققت، شكليا، على المستوى الرسمي.
لقد كان طريق الوصول هذه الخلاصات يقتضي، على نحو حتمي، أن يشتبك سمير أمين بضراوة مع أصحاب "نظرية التخلف". وذلك، على أساس أن سمير أمين ينطلق، نظريا، من أن علم الاجتماع هو "علم العلوم" الانسانية جميعا، لأن كل حقول العلوم الانسانية إنما تنبع من تفاعل الظروف الاجتماعية التاريخية، في جميع الأحوال. وأن الوعي بهذه الظروف يعد مقدمة ضرورية للوعي بحقيقة موضوع هذه العلوم، ومجالات البحث فيها، وقوانين تطورها. وبذلك، فإن النظرية الاقتصادية (البرجوازية) الحديثة، التي تقوم على عزل العلم الاقتصادي عن المجرى الاجتماعي - التاريخي العام، لا يمكنها أن تفضي إلى احراز معرفة كاملة وحقيقية، من الناحية العلمية. فهي تقوم بتعريف التخلف على أنه "الفقر"، بشكل عام. بما يشمله ذلك من إحصاءات حول الصحة، والتغذية، والتعليم، والوفيات.. الخ. كما أن هذه النظرية تعتبر أن البلدان "المتخلفة" تتساوى مع البلدان "المتقدمة"، عندما كانت ما تزال في مراحل ما قبل التقدم.
وعلى الرغم مما في هذه المزاعم (التي جاءت بها نظرية التخلف) من خلط واجتزاء وعدم اتساق مفاهيمي، وبصرف النظر عن قصورها التحليلي عن اكتشاف الأسباب الحقيقية للتخلف، فإن هذه النظرية تقوم بإهمال حقيقة مفادها: أن البلدان "المتخلفة"، إنما هي جزء أساسي، بسبب تخلفها هذا على التحديد، من المنظومة الاقتصادية العالمية. وأن تاريخ انخراطها في هذه المنظومة يعد جزءا من تاريخ تخلفها. وأن العوامل الديموجرافية، سواء المتمثلة في زيادة أو قلة عدد السكان، ليست هي العوامل الفاعلة في تحديد إمكانات التقدم أو التخلف. وإنما هناك عوامل أخرى تتعلق بالاستقلال والتبعية على الصعيد الاقتصادي.
كما أن طرح نظرية "حلقات الفقر المفرغة"، في الفكر الاقتصادي الغربي (البرجوازي) والتي ترى أن الفقر ناتج عن ضعف المدخرات أو الفوائض، الناتج عن قلة "التوفير". وهذا الضعف، بدوره، ناتج عن الدخل المنخفض، أي "الفقر".. وهكذا. بدون أدنى إيضاح للعوامل التي يمكن أن تفضي إلى كسر هذه "الحلقة المفرغة"، عند البلدان التي سبقت في التقدم. إنما يوحي بنوع من محاولات التملص من البحث عن الأسباب الحقيقية التي أفضت الى التخلف.
وللتغطية على هذا القصور الفكري في النظرية الغربية يجرى الحديث دائما، وبما يتناقض على نحو جلي، مع الواقع والحقيقة الملموسة، فإن أصحاب نظرية التخلف يزعمون أن "الفائض في البلدان المتخلفة في منتهى الضعف إن لم يكن مفقودا أصلا" (التراكم ص33) مع العلم بأن هناك بلدانا تحقق فائضا ماليا كبيرا، (مثل بعض البلدان النفطية) وعلى الرغم من ذلك فإنها ما زالت تعاني من التخلف. وهو ما يعني أنهم ليسوا معنيين بالقضاء على التخلف، وإنما هم بالأحرى معنيون بالعمل على إبقاء بلداننا في غياهب ظلماته.
في مقابل هذا الطرح يرى سمير أمين أن دراسة الواقع الاقتصادي في بلدان الأطراف، من ناحية طبيعة الفائض، وكميته، وشكله، وطرق استعماله، تتوقف على طبيعة الطبقات المالكة للثروة، أو ما يسميه "تشكيلات الأطراف"، في هذه البلدان. وحقيقة حاجتها للانخراط في المنظومة الرأسمالية العالمية. وهنا، يطرح سمير أمين مصطلح "نمط الإنتاج الخراجي"، للدلالة على طبيعة نمط الإنتاج في البلدان التي لم تدخل مرحلة التطور الرأسمالي. وهو نمط يقوم على الاستنزاف الدائم لمصادر الثروة، بما يمنع من تحقيق التراكم الأولي لرأس المال. وبالتالي يمنع من تحقيق صعود طبقي ذي بال للطبقات غير الحاكمة على الصعيد المحلي.
وبذلك فإن سمير أمين ينفي أن يكون التخلف مساويا لمرحلة ما قبل الرأسمالية الغربية، حسب زعم أصحاب "نظرية التخلف" السابق إيراده، بل إن هناك نمطا إنتاجيا مغايرا وشروطا إنتاجية مختلفة، ينبغي فهمها من أجل تغييرها والارتقاء بمجتمعاتها.
ويرتبط بمحاولة فهم التشكيلة الاجتماعية التاريخية لمجتمعات الأطراف، محاولة دراسة طبيعة التطور في هذه البلدان تحت تأثير هذا الارتباط بالمركز الرأسمالي، فيظهر مصطلح "التطور اللا متكافئ"، بما يعنى التطور الشائه الذي يقسم المجتمع الواحد إلى عدة مجتمعات. نتيجة للدخول الجزئي وغير المنظم لمنتجات الحداثة، سواء من الآلات أو المفاهيم والقيم الاجتماعية والثقافية. وهذا النوع من التطور لا يمكنه أن يفضي، بأي حال إلى تكامل البنى الاقتصادية الوطنية أو انسجامها، بل ربما يفضي، على الأرجح، إلى تناقضها وتصارعها. وهو يعتبر أن هذا "التطور غير المتكافئ" إنما هو نتيجة للالتحاق الفوضوي وغير المدروس بالمركز الرأسمالي الإمبريالي العالمي.
وفى محاولته لفهم طبيعة العلاقة الثقافية بين المركز والأطراف (وقد سبق إيراد اعتقاده بأن علم الاجتماع هو الأب الشرعي للعلوم الإنسانية، من اقتصاد أو سياسة أو ثقافة.. الخ. وأن أي طرح نظري متماسك لابد أن ينطلق من أن كل الظواهر الانسانية مترابطة، وينبغي دراستها في إطار النسق الاجتماعي التاريخي الواحد) فإنه يطرح مصطلحي: "التمركز الأوربي" و"التمركز الأوربي المعكوس". ويختص "التمركز الأوربي" بعلاقة التبعية والتقبل التقديسي الاستهلاكي، في مجالات الوعي والفكر والفن، كما هو في الاقتصاد والسياسة، لكل ما يرد من المركز الغربي. أما "التمركز الأوربي المعكوس"، فإنه يقوم على نوع من القطيعة مع كل ما يرد من الغرب. وهو نوع من العلاقة التحريمية المعادية على نحو دوجمائي (وغالبا ديني) لكل ما هو غربي أو أوربي، أو ينتمي إلى الحداثة، إجمالا. مما يؤدي إلى حدوث ما يعتبره سمير أمين نوعا من التمركز المعكوس، الذي لايزال، في جوهره، أوربيا غربيا، في حقيقة الأمر. من حيث إنه لا يطرح طريقا مستقلا ومبتكرا وإبداعيا مغايرا للنموذج الغربي. بل إنه يتبع المنظومة المعيارية القيمية الغربية، ذاتها، ولكن على نحو معكوس. بما يعني اللهاث الموتور خلف خطى الخصم، بغية رفض ما يطرحه من منتجات ثقافية أو حضارية أو حتى مادية. ساعيا إلى استبدالها بما يمكن أن يقابلها في التراث. وهذا النوع من التمركز المعكوس يكرس، في الجوهر، فكرة التبعية والدوران في الفلك الغربي، حتى وإن تم الادعاء أو التمظهر بما هو عكسي تماما.
في النهاية لا بد من القول بأن جهود سمير أمين الفكرية ضخمة ومترامية، ولا يمكن الإتيان على كل محتوياتها، بما تستحقه من استفاضة. خاصة، في مقال صغير كهذا. لذلك توقفت عند أبرز هذه الجهود وأكثرها محورية.
ولقد كانت الإصدارات التي تركها سمير أمين، والتي كونت مفردات هذه الرؤى النظرية، على قدر كبير من الاتساق والتداخل العضوي فيما بينها، بما جعلها تأتي وكأنها روافد تصب في نهر واحد متسع المجرى. وفى طريقه الهادر، كان هذا النهر، دائما ما يقوم بتوسيع مجراه ويشق تفريعاته ويعري الصخور المترامية على جوانبه، فإذا به يكشف عن نفائس جديدة، كلما تقدم. فلقد جاء هذا الجهد الفكري المتلاحق، بمثابة استكمال، وتعميق، وتوسيع لمحاولته الإجابة على الأسئلة التي سبق إيرادها وبحث الفرضيات السابق ذكرها. فجاء منجزه المعرفي متكاملا، ومكونا لمشروع فكري متكامل ومتداخل، يكمل آخره أوله، ويتسق بعضه مع كله.
وإذا كان سمير أمين قد انطلق من منهجية البحث الماركسية اللينينية، فإنني أعتقد أن له في ذلك إسهامان مهمان: الإسهام الأول، وهو الأكبر، يتمثل في أنه لم يلتزم بتعاليم ولم يقدس استنتاجات، بل استفاد بمنهج البحث العلمي الاجتماعي، الذي يثبت نجاعته عند كل ممارسة بحثية. كما أنه لم ينطلق من قناعات أيديولوجية مسبقة، بل انطلق من وقائع وحقائق ملموسة على نحو ناصع.
وهو بذلك يكون قد افتتح بابا للتفكير العلمي المستقل والنقدي، والمخلص للحقيقة من أجل الحقيقة، ذاتها. وإلى جانب ذلك، فإنه قد اهتم بطرح القضايا التي تخصنا، نحن، على نحو صميمي. فقدم رؤى أصيلة ورائدة لدراسة واقعنا وأزمات تطورنا، من خلال ظروفنا وسياقنا التاريخي والاجتماعي الخاص بنا. ومن هنا، على التحديد، تحققت عالمية رؤيته وعمومية طرحه.
أما الإسهام الثاني فإنه يتمثل في أنه قد أنزل علم الاقتصاد من أبراجه الأكاديمية (العاجية) المتخصصة، التي يمارسها البعض على نحو يشبه الكهنوت، إلى أرض الممارسة العملية في الواقع الفعلي للشعوب، وأنزله إلى معمعان معارك التحول السياسي والاقتصادي والفكري، على الصعيد العالمي. كما أنه قام بربط هذا العلم المعقد بعلوم الاجتماع، والفلسفة، والسياسة، والثقافة. فأصبح علما نافعا وشاملا. أضاف إلى قدراتنا على تحقيق الوعي الشامل بمكونات الواقع، في ترابطها وتجادلها.
لذلك، لم يكن سمير أمين أكاديميا بالمعنى المعروف، بل كان مفكرا، ناقدا، شامل الرؤية، مبتكرا لأطر مفاهيمية ومصطلحية طازجة وناجعة. وبفقده فقدنا واحدا من ألمع العقول المصرية والعالمية، وأخلصها، في مجال الفكر الاقتصادي والإنساني. وعزاؤنا في أنه قد ترك لنا ميراثا فكريا ثرا. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لذكراه إنما يكون بتدارس هذا الميراث، ونقده، وتطويره، واستكمال هدفه في الخروج من عباءة النظريات المعلبة والرؤى الجاهزة. والخروج في الآن نفسه، من ربقة التبعية والتخلف، وتحقيق التحرر الوطني الحقيقي: اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، وفى كل المجالات.
----------------------------------------
بقلم: د. صلاح السروي






